أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

205

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« يَكُونَ » بالتذكير ، « مَيْتَةً » نصبا ، واسم « يَكُونَ » يعود على قوله : « مُحَرَّماً » ، أي : إلّا أن يكون ذلك المحرّم . وقدّره أبو البقاء ، ومكي ، وغيرهما : إلا أن يكون المأكول ، أو ذلك ميتة . : « أَوْ دَماً » « دَماً » على قراءة العامة معطوف على خبر « يَكُونَ ، وهو « مَيْتَةً » ، وعلى قرءة ابن عامر وأبي معطوف على المستثنى ، وهو « أَنْ يَكُونَ » ، وقد تقدم تحرير ذلك . و « مَسْفُوحاً » صفة ل « دَماً » . والسّفح : الصّبّ . وقيل : السيلان ، وهو قريب من الأول . و « سفح » يستعمل قاصرا ومتعديا ، يقال : سفح زيد دمه ، أي : أهراقه ، وسفح هو ، إلّا أن الفرق بينهما وقع باختلاف المصدر ، ففي المتعدي يقال : « سفح » ، وفي اللازم يقال : « سفوح » ، ومن المتعدي قوله تعالى : أَوْ دَماً مَسْفُوحاً ، فإنّ اسم المفعول التام لا يبنى إلّا من متعد . ومن اللازم ما أنشده أبو عبيدة لكثّير عزة : 2121 - أقول ودمعي واكف عند رسمها * عليك سلام اللّه والدّمع يسفح « 1 » قوله : أَوْ فِسْقاً فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه عطف على خبر « يَكُونَ » أيضا ، أي : إلّا أن يكون فسقا ، و « أُهِلَّ » في محل نصب ، لأنه صفة له ، كأنه قيل : أو فسقا مهلّا به لغير اللّه ، جعل العين المحرمة نفس الفسق مبالغة ، أو على حذف مضاف ، ويفسره ما تقدم من قوله : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ « 2 » الثاني : أنه منصوب عطفا على محل المستثنى ، أي : إلّا أن يكون ميتة ، أو إلّا فسقا ، وقوله : فَإِنَّهُ رِجْسٌ اعتراض بين المتعاطفين . والثالث : أن يكون مفعولا من أجله ، والعامل فيه قوله : « أُهِلَّ » ، فقدم عليه ، ويكون قد فصل بين حرف العطف ، وهو « أَوْ » ، وبين المعطوف ، وهو الجملة من قوله : « أُهِلَّ » بهذا المفعول من أجله ، ونظيره في تقديم المفعول له على عامله قوله : 2122 - طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا منّي وذو الشّيب يلعب « 3 » و « أُهِلَّ » على هذا الإعراب عطف على « يَكُونَ » ، والضمير في « بِهِ » عائد على ما عاد عليه الضمير المستتر في « يَكُونَ » ، وقد تقدم تحقيقه ، قاله الزمخشري ، إلّا أن الشيخ تعقب عليه ذلك ، فقال « 4 » : « وهذا إعراب يتكلف جدا ، وتركيب - على هذا الإعراب - خارج عن الفصاحة ، وغير جائز على قراءة من قرأ : « إلّا أن تكون ميتة » بالرفع ، فيبقى الضمير في « بِهِ » ليس له ما يعود عليه ، ولا يجوز أن يتكلف محذوف حتى يعود الضمير عليه ، فيكون التقدير : أو شيء أهلّ لغير اللّه به ، لأن مثل هذا لا يجوز إلّا في ضرورة الشعر . قلت : يعني بذلك أنه لا يحذف الموصوف والصفة جملة ، إلّا إذا كان في الكلام « من » التبعيضية ، كقولهم : « منّا ظعن ومنّا أقام » ، أي : منّا فريق ظعن ومنّا فريق أقام ، فإن لم تكن فيه « من » كان ضرورة ، كقوله :

--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 463 ) وروايته فيه : أقول ونضوي واقف عند رمسها * عليك سلام اللّه والعين تسفح ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 121 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) انظر البحر ( 4 / 243 ) .